تونس .. مصر .. دول عربية عانت من تسلط الحكم الدكتاتوري لسنوات عديدة صاحبه فقر وعوز أدى بالنتيجة لثورات شعبية لا تخلو من تدخلات خارجية تمثلت بالضغط على هذه الحكومات بعدم استخدام العنف ضد المطالبين بحقوقهم المشروعة . وهذه الثورات امتد حماسها لشعوب تعاني نفس الظلم والقهر فهذه هي ليبيا والبحرين واليمن يحذو شعبها حذو الشعوب المحررة وأملنا ان يستمر الثائرون في نهجهم حتى تحويل دولهم الى دول ديمقراطية متحضرة فهذا يعود بشكل إيجابي على المنطقة بشكل عام .
على الرغم من أن العراق قد سبقهم الى الديمقراطية منذ 8 سنوات الا ان صدى التغيير لم يكن بمستوى ما نحن عليه اليوم ( علما انني اعتقد وبشكل كامل ان ما حصل اليوم هو نتاج لما حصل قبل 8 سنوات ) فالتغيير جاء عبر احتلال وتدخل عسكري والشعب العربي يتحسس كثيراً من القوات الاجنبية لأنه تشبع بثقافة ذو منهج مدروس من قبل انظمته تنبذ اي تدخل اجنبي وخصوصا الاحتلالات وما شابه فنحن مثلا كنا ندرس التاريخ منذ مرحلة الخامس الابتدائي ولغاية مرحلة الرابع العام .. كل هذه المراحل درسنا فيها الاحتلالات وحركات التحرير وغيرها مما جعلنا نلعن أي احتلال مهما كانت الظروف . ولكنهم لا يعلمون ان نظام صدام وصل مرحلة من السيطرة لا ينفع مع تدميرها الا التدخل الاجنبي وقوات التحالف على وجه الخصوص . . وهم تناسوا ايضاً ان هذه القوات استخدمت الاراضي العربية في انطلاق هجماتها على العراق . ولا فرق عندي بين تدخل عسكري مباشر كما حصل في العراق وبين تدخل دبلوماسي وضغط كما حصل في تونس ومصر .
مدينة الكوت هذه المدينة الصغيرة التي عانت كثيراً خلال العام 2010 وبداية عام 2011 من تلكؤ في تبليط الشوارع وانجاز المشاريع وتوفير الخدمات حتى عدت المدينة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وأهم من هذا كله عانت المدينة من صراع سياسي كانت بوادره موجودة خلال الفترة السابقة لمجلس المحافظة واكتملت خلال الدورة الحالية ووصلت اوجها . ( حسب ما نسمعه من تصريحات مباشرة وكذلك في لقاءات في التلفزيون لمسؤولين محليين ) وهذه المعاناة هي الأبرز كونها اثرت وبشكل سلبي على حركة الاعمار والاقتصاد والتطوير .
كل هذا جعل ابناء الكوت يترجمون ما شاهدوه على شاشات التلفزيون من بطولات شعب تونس ومصر والدول العربية الاخرى ويخرجون عن صمتهم الذي استمر عشرات السنين حتى اصبح الاخرين يسمون المدينة بـ ( الدجاجة البيضاء ) فمن جانب يعيش ابناء الكوت حالة مزرية ومن جانب يرون الثورات ضد التسلط والطغيان على الفضائيات ومواقع الانترنت الذي عملت جاهدا لأكثر من اربع سنوات لأبين دوره في تطوير المجتمع الواسطي دون فائدة واقعية تذكر وهم بالأصل تحتويهم النزعة القبلية التي تؤمن بالثأر والانتفاض على الحالات السيئة . فأعلنوا ان الاربعاء 16 / 2 / 2011 هو موعد خروجهم السلمي للمطالبة بحقوقهم المشروعة التي صادقوا عليها يوم الاستفتاء على الدستور في وقت مضى . فخرجوا يهتفون ضد الفساد وضد استغلال السلطة وتردي الخدمات في جو من الديمقراطية والحرية وانتهى بهم المطاف ليعلنوا عن مطالبهم امام مجلس المحافظة . ولكن كان هناك من لا يرضى ان تستمر التظاهرة بسلميتها فشهود عيان أكدوا ان احد افراد حماية احد اعضاء مجلس المحافظة قام بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الغاضبين . وكانت هذه الاطلاقات بداية لمعركة استغلها ممن ذكرناهم في بداية المقال انهم ادوات الصراع السياسي الذي يمكن ان نحصر اطرافه بشخص المحافظ واتباعه من جهة واعضاء من مجلس المحافظة في الجهة المقابلة وكذلك تدخل بعض المغرضين والمسيئين فانجلت الغبرة عن جثث لشهداء وعشراء الجرحى وبناية مجلس محافظة محترقة وديوان محافظة محترق ونهب لبيت المحافظ وغيرها من المشاهد المروعة .
لا اخفيكم القول فمع عدم رضا المنطق على حرق الأبنية الحكومية الا ان صدى التظاهرات لم يصل الا عبر حرق بناية مجلس المحافظة والديوان ولم تصل رسالة الكيتاويين الا عن طريق الدخان المتصاعد من هذه الأبنية التي يؤسفني حقاً سماعي بهروب ( ممثلي الشعب ) منها بدل ان يقابلوا المتظاهرين والاستماع لمطالبهم المشروعة دستورياً وقانونياً . الا بعض الملاحظات حول مطلب حل مجلس المحافظة فهذا يمكن التوقف عنده والقول بأنه غير منطقي لأن الأمر لم يصل هذه المرحلة الخطرة بحل المجلس ونسأل هنا ( من انتخب هذا المجلس غير ابناء واسط ؟ )
العالم صار ينظر للكوت بمنظار مختلف والفاسدون من مسؤوليها بدأوا يغيرون اليات تعاملهم مع مواطنيها لأنهم ومنذ ايام المظاهرات باتوا مسؤولون عن تقديم الخدمات وتسيير اعمال الدولة في مدينة سيتصرف ابناءها بقوة وحزم ضد اي مقصر في اداء واجبه وخصوصاً ممن يكون في منصب المحافظ او مجلس المحافظة او المجلس البلدي الذي لا ادري لماذا اعضاءه ليسوا تحت طائلة المحاسبة ( وبعيدين عن النظر ) !! وهم بنظري المسؤولون المباشرون عن مراقبة الدوائر الخدمية كالبلدية وغيرها وهم الأكثر تقصيراً تجاه الكوت واهلها ..

اهالي الكوت تظاهروا واثبتوا بعد المظاهرات انهم حضاريون بتنظيفهم مخلفات الحرائق التي اؤكد برائتهم منها براءة الذئب من دم النبي يوسف عليه السلام . واوصلوا رسالة واضحة للفاسدين بأن الانتخابات المحلية القادمة ستكون ثورة الشعب السلمية ضد الفساد والتقصير واستغلال المنصب فالمظاهرات التي حصلت مثلت وفق كل المقاييس انذاراً اصفرا شهروه بوجه الظلمة الذين كشفت عنهم الاقنعة .