76990611327-3185
العمل .. تلك الممارسة الاقتصادية والاجتماعية التي يبحث عنها الجميع من أجل كسب لقمة العيش وتفريغ الطاقات وتنمية المهارات في المجالات المتعددة .. كانت ولا زالت حديث شعوب المنطقة العربية والشغل الشاغل للكثير من شرائح المجتمع واهمها شريحة الشباب لأنهم بطبيعة الحال الاكثر تلاؤماً من الناحية العقلية والجسمانية مع كثير من الاعمال الممكن انجازها كما انهم يمرون بمرحلة تكوين الشخصية والذات والاستقلالية المالية .. وفرص العمل والحصول عليها تساهم بشكل أو بآخر بتحقيق هذه الطموحات وتمثل بيئة مناسبة لتطوير المؤهلات التي يمتلكونها.
ان فرص العمل في الوطن العربي عموماً ومنطقة الشرق الاوسط خصوصاً تعتبر تحدياً حقيقياً للشباب ينعكس بشكل مباشر على تعاملاتهم مع الاخرين واسلوبهم ونمط حياتهم والذي يكون اغلب الوقت سلبياً مما يؤدي الى مجتمع متخلف او مجتمع خطر يهدد السلم العالمي .. واريد هنا ان اسلط الضوء على بعض هذه التحديات وبعض الحلول المبسطة .
ان اول التحديات والتي تعتبر اهمها هي ان الانظمة السياسية في المنطقة تأقلمت مع النظام الاشتراكي في ظل الانتشار الواسع والتطبيقات الكثيرة لمفاهيم العولمة والرأس مالية وهذا ادى بنا الى ترسيخ فكر موحد لدى الجميع بأن العمل في دوائر الدولة الحكومية هو الذي يضمن الحياة الكريمة لمجموعة امتيازات منها الراتب الجيد نسبياً في بعض البلدان مثل العراق وكذلك الضمان الاجتماعي والصحي والتقاعد ويصاحب هذا اهمال واضح من الناحية التشريعية والعملية للقطاع الخاص والشركات الاستثمارية وبطبيعة الحال مؤسسات الدولة لا تكفي للجميع كما انها غير ملبية للطموح وأبرز سماتها عدم اللحاق بركب التطور والتقدم اما عن القطاع الخاص والشركات الاستثمارية فهي في اسوء أحوالها من الناحية التنظيمية فهي ايضا تقع ضحية الفكر الذي ذكرته آنفاً فكثير من الشركات والمؤسسات لديها فرص عمل ممتازة وتحقق الطموح لدى الكثير من الشباب وما ان تقوم بتوظيفهم حتى يقوموا بترك العمل بسبب حصولهم على فرصة عمل حكومية حتى وان كانت اقل من الوظيفة الحالية للاسباب المذكورة وهذه الشركات تماماً كما هو في دوائر الدولة لا تكفي للجميع والاثنان يتسمون بقلة فرص العمل وغياب النظام والقوانين لتنظيم العلاقة
وضمان تحقيق الفرص الكافية . وفي ظل هذا التحدي الكبير توجد تحديات فرعية يمكن اختصارها بالوساطة وتقديم الرشوة للحصول على الفرص وتنشط هذه التحديات في مؤسسات الدولة ونجدها أقل على مستوى القطاع الخاص وهذا كله يفقد الكثير من الشباب ويزيد من نسبة البطالة .
اما التحدي الثاني فيمكن حصره بالعلاقة بين المؤسسات التعليمية وباقي المؤسسات فهي ليست لديها روابط حقيقية مع المؤسسات الحكومية وغيرها فعدد الخريجين وتخصصاتهم كبيرة جداً ومتنوعة ولا تتناسب مع حاجة الحكومة وكذلك شركات القطاع الخاص فانا شهدت بنفسي تقديم 3000 خريج على 20 او 30 وظيفة فقط ونسبة لا بأس بها من هذه الوظائف محجوزة لاصحاب الوساطات والرشى وهنا احب ان اذكر مثالاً لجامعة معينة تخرج المئات من الشباب بإختصاصات لا تتناسب مع أي فرصة عمل متوفرة والمشكلة ان هذه الجامعة تصر على زيادة عدد الخريجين كل سنة وبالتالي تخريج دفعات كبيرة من العاطلين يزيدون نسبة البطالة وتوسيع دائرة هذه المشكلة التي نخاف ان تكون ازلية في المستقبل .
وهنا لا بد لي ان اذكر تحدي اضافي يكمن في ضعف العلاقة والتواصل فالكثير من دوائر الدولة والشركات والمصانع والمؤسسات تعلن عن فرص عمل في اوقات مختلفة من السنة ويفقدها الشباب لانهم ليسوا على علم بها وهذا أيضا سببه عدم وجود قواعد بيانات او نظام معلومات موحد يبين عدد العاطلين وتخصصاتهم ومهاراتهم مما يسهل استهدافهم وعمل حلقة بين القاعدة والباحثين عن فرص العمل والموفرين لها وبالعكس .. وضعف التواصل ايضا سببه ان نسبة استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة ضئيل جداً مقارنة بعدد السكان وهذه الوسائل تحتوي نقاط متعددة للاعلان عن توفير فرص العمل او طلب التوظيف وهي ايضا محصورة بين هذا العدد الضئيل .
بقي لي ان اشير الى اخر تحدي يقتصر على الشباب أنفسهم فكل التحديات أعلاه تقع في دائرة خارجة عن ارادة الشباب الباحث عن فرص العمل اما هذا التحدي فيمكن اختصاره ببساطة ان الشاب العربي عموماً لا يساعد نفسه في تنمية مهاراته وقدراته التي توفر له فرص عمل أكبر ودائماً ما يكون مصاب بالاحباط هذا بالاضافة الى شخصيته وتركيبته الاجتماعية التي ترفض الكثير من المهن وكذلك بعض طلباتهم غير المقعولة من ناحية الرواتب وطبيعة العمل مع وجود الايدي العاملة الاجنبية التي لا تتحرج وليس لديها حساسية كما هو موجود لدى الشباب العربي .
اذن ما هو الحل ؟؟؟ الحلول لا يمكن حصرها في مقالة قصيرة مثل هذه ولكن يمكن اولا الاستفادة من تجارب ناجحة ودراستها ومحاولة تطبيقها في مجتمعاتنا بما يتناسب معها بالاضافة الى تشريع قوانين وانظمة تنظم اليات العمل بشكل اكثر تطوراً ويمكن من خلالها استحداث فرص عمل اكبر وكذلك اقامة التوزان بين القطاع الخاص والعام واستخدام الوسائل الحديثة في البحث عن الوظائف وكذلك الاعلان عن توفر فرص العمل ومحاولة ايصالها لكل الشباب وبعدها تنظيم علاقة بين المؤسسات التعليمية وغيرها لغرض استحداث او حذف تخصصات حسب حاجة السوق او حاجة دوائر الدولة والتحكم بعدد الخريجين كما يمكن للحكومات توسيع علاقاتها مع الشركات الكبرى واعطاء اجازات استثمارية اكثر مرونة مع فرض تشغيل شباب البلد وفق ضوابط الشركة لنربح توفير فرص العمل من جهة وتطوير المهارات من جهة أخرى .. كما يمكن توسيع دائرة التعاون مع المصارف لزيادة ارصدة قروض الشباب التشجيعية من اجل اقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة ..

بهذه الحلول وغيرها نتسطيع ولو بشكل اولي ومبسط التوجه نحو توفير فرص العمل الحقيقية التي تحقق الاهداف وانا تطرقت اليها وليست بالضرورة ان تطبق جميعها في كل دول المنطقة لكن حسب علمي ان اغلب الدول تعاني المشاكل ذاتها .